الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
نفحات الولاية
وَالْقَاصِمَةِ « 1 » الزَّحُوفِ « 2 » ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ ؛ وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا ، وَتَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا « 3 » » . ذهب أغلب شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بهذه الفتنة هنا فتنة المغول والتاتار ، ولم يذكروا حسب اطّلاعنا احتمالًا آخر ؛ إلّاأنّ هذا الاحتمال يبدو بعيداً ؛ لأنّ أهداف المغول لم تكن سوى نهب الأموال وخراب البلدان والسيطرة على الممالك الإسلامية ؛ في حين أخبر الإمام عليه السلام بعبارات في هذه الخطبة عن فتنة تستهدف أفكار الناس ومعتقداتهم وتلقي بهم في غياهب الغي والضلال والاختلافات الفكرية والدينية ، وعليه يمكن أن يكون المراد بها فتنة بني العباس التي أعقبت فتنة بني أمية والتي أشارت إليها العبارات السابقة ، والواقع هو أنّ بني العباس وبني أمية وإن كانوا وجهين لعملة واحدة وسياسة شيطانية واحدة ، إلّاأنّ بني أمية وكما صرّح زعيمهم معاوية كانوا لا يكترثون للصوم والصلاة وطقوس الناس الدينية ، سوى - في المواقع - التي تصطدم بحكومتهم الغاشمة ؛ بينما اخترق بنو العباس عقائد الأُمّة حتى ظهرت على عهدهم أغلب المدارس المنحرفة والمذاهب الفاسدة ، كما اشتدت الاختلافات في بعض المسائل من قبيل « حدوث القرآن وقدمه » و « الجبر والتفويض » إلى جانب الخلافات بين « الأشاعرة والمعتزلة » ، وممّا لا شك فيه أنّ ذلك كان يجري وفق خطة مرسومة حتى أنّهم كانوا يشجعون العلماء والمفكرين لإثارة مثل هذه المباحث بهدف الاستمرار في السلطة ، طبعاً لا نزعم أنّ بني أمية تخلوا مطلقاً عن هذه الأمور ، لكننا نقول ليس لمثل هذه المباحث من ظهور آنذاك كالذي أصبح عليه بنو العباس ، كما يبدو ، مستبعداً أيضاً ، الاحتمال الآخر الذي ذكره بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ هذا الكلام إشارة إلى فتنة « الدجال » في آخر الزمان
--> ( 1 ) . « قاصمة » من مادة ( قصم ) على وزن خصم بمعنى الكسر مع الشدّة ( 2 ) . « زحوف » من مادة ( زحف ) على وزن حرف بمعنى الثقل في المشي وتطلق على حركة الجيش الكثير ، وزحوف في العبارة إشارة إلى الافتتان الذي يستشري في المجتمع ( 3 ) . « نجوم » وردت هنا بالمعنى المصدري وهو الظهور